محمد متولي الشعراوي
3119
تفسير الشعراوى
فالأخذ له أنواع متعددة ؛ فالتاجر الذي يقف في دكانه ليبيع أي شئ ، وجاء طفل صغير وخطف قطعة من الحلوى وجرى ولا يستطيع التاجر أن يطول الطفل أو أن يقدر على الإمساك به ، هذا خطف . أما الذي يغتصب فهو الذي قهر صاحب الشئ على أن يتركه له . أما الاختلاس فهو أن يكون هناك إنسان أمين على مال فيأخذ منه ، أما السرقة فهي أخذ لمال مقوّم خفية وأن يكون في حرز مثله ؛ أي يكون في مكان لا يمكن لغير المالك أن يدخله أو يتصرف فيه إلا بإذنه . أما الذي يترك بابه مفتوحا أو يترك بضاعته في الشارع فهو المقصّر ، فكما يأمرنا الشرع بألا يسرق أحد أحدا ، كذلك يأمر بعدم الإهمال ، بل لا بد للإنسان أن يعقل أشياءه ويتوكّل . وسبحانه هو المشرّع العدل الذي يقيم اليقظة على الجانبين . حدّد الشّرع السرقة بما قيمته ربع دينار . وربع الدينار في ذلك الزمن كان يكفى لأن يأكل إنسان هو وعياله ويزيد ، بل إن الدرهم كان يكفى أن يقيم أود أسرة في ذلك الوقت . وكيف نقوّم ربع الدينار في زماننا ؟ . إن كان لا يكفى لمعيشة ، فيجب أن ترفع النصاب إلى ما يعيش ، وما دام الدينار كان في ذلك الزمان ذهبا ؛ فربع الدينار ترتفع قيمته . وقديما كان الجنيه الذهب يساوى سبعة وتسعين قرشا ونصف القرش . أما الجنيه الذهب حاليا فهو يساوى أكثر من مائتين وسبعين جنيها ، وقد يكون هناك إنسان يسرق لأنه محتاج أو جائع ، ولذلك وضع الشرع له قدرا لا يتجاوزه المحتاج لحفظ حياته وحياة من يعول هو الدرهم . وسرقة الدرهم لا حد فيها كما لا إثم فيها ، وذلك إذا استنفذ كل الطرق المشروعة في الحصول على القوت ، ونعرف أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعطى الدرهم للرجل وقال : ( اشتر طعاما لك ولأسرتك ) . وكان الدرهم - كما قلنا - يكفى في ذلك الزمن . والدرهم جزء من اثنى عشر جزءا من الدينار ، فربع الدينار ثلاثة دراهم ، والدرهم يسياوى في زمننا هذا أكثر من عشرين جنيها . والسطحيون يقولون : إن سيدنا عمر ألغى حدّ السّرقة في عام الرّمادة ؛ ونقول لهم : لا . لم يسقط عمر بن الخطاب الحد ، فالحد باق ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد . والحادثة التي حدثت في عام الرمادة أو عام الجوع هي